مأساة طفلة تم وضعها عند عائلة هولندية حاضنة تهز المجتمع: تحقيق يكشف تقصيراً جسيماً في مؤسسات رعاية الأطفال

كشفت تقارير رسمية في هولندا عن إخفاقات خطيرة في رعاية طفلة تبلغ من العمر 11 عاماً، تعرضت لإيذاء شديد على يد والديها الحاضنين في مدينة فلاردينخن غرب البلاد. وتبيّن أن الطفلة التي أُسيء إليها في مدينة فلاردينخن الهولندية ليست سورية الجنسية كما ورد في تقارير إعلامية سابقة.
وقد تم تداول هذه المعلومة بشكل غير دقيق خلال برامج حوارية على التلفزيون الهولندي، عندما أُشير إلى جنسية الأم بأنها سورية أثناء مناقشات مع صحفيين وخبراء قانونيين. كما تأكد أن أم الطفلة ستدلي اليوم بشهادتها أمام المحكمة الهولندية في القضية.
من جهة أخرى، ثبت أن عائلة هولندية متهمة في القضية نفسها كانت قد استضافت في وقت سابق أخوين سوريين لمدة سبعة أسابيع، تعرّضا خلالها للضرب وسوء المعاملة على يد الزوجين، قبل أن تتدخل السلطات وتُبعدهما عن المنزل.
ورغم تلك الحادثة، تم لاحقًا وضع الطفلة الضحية وأختها الأصغر تحت رعاية هذه العائلة نفسها، في قرار يثير تساؤلات حادة حول أداء مؤسسة حماية الأطفال المحلية ومدى التزامها بإجراءات السلامة والتحقق من أهلية الأسر الحاضنة.
لكن هذه الخطوة، التي كان يُفترض أن تضمن لها الأمان والرعاية، تحوّلت إلى مأساة إنسانية بعد تعرضها لإيذاء جسدي خطير داخل المنزل الحاضن، في واقعة هزّت الرأي العام الهولندي والعربي وأثارت جدلاً واسعاً حول نظام رعاية الأطفال في هولندا.
التحقيق أجرته هيئتان حكوميتان هما، هيئة التفتيش على الرعاية الصحية والشباب (IGJ)، وهي الجهة المسؤولة عن مراقبة جودة الخدمات الصحية والاجتماعية للأطفال، وهيئة التفتيش على العدل والأمن (Inspectie JenV)، المشرفة على عمل مؤسسات العدالة وحماية القُصّر.
وأكّد التقرير المشترك بين الهيئتين أن الطفلة لم تتلق أي رعاية أو إشراف مناسب منذ نقلها إلى الأسرة الحاضنة في مارس 2022.
ضعف في التواصل وإهمال مؤسسي واسع
كانت مسؤولية الطفلة موزعة بين مؤسستين هما:
مؤسسة فيليام شريكر (William Schrikker Stichting – WSS)، المتخصصة برعاية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أو في أوضاع صعبة، ومؤسسة إنفر (Stichting Enver)، وهي منظمة للرعاية الاجتماعية والإشراف الأسري في منطقة روتردام.
وذكر التقرير أن التواصل بين المؤسستين كان ضعيفاً جداً، وأن المعلومات المهمة حول وضع الطفلة والأسرة الحاضنة لم تُتبادل بين الجهتين، رغم ورود إشارات متكررة تدل على وجود مخاطر.
وقالت أنجيلا فان دير بوتّن من هيئة التفتيش الصحية:
“نقرّ بأن معاناة هذه الطفلة تفاقمت بسبب القصور الطويل في تقديم الرعاية اللازمة لها. ما حدث مؤلم للغاية لها ولعائلتها.”
جريمة مروعة ومحاولة قتل
في مايو 2024، نُقلت الطفلة إلى المستشفى وهي في حالة حرجة بعد تعرضها لإصابات خطيرة في الرأس وكسور متعددة. وجرى القبض على والديها الحاضنين بتهمة محاولة القتل.
وأظهرت التحقيقات أن الفتاة كانت قد اشتكت سابقاً من تعرضها للضرب، لكن لم يصدقها أحد، ولم تتخذ الجهات المسؤولة أي إجراء لحمايتها. كما توقفت عن الذهاب إلى المدرسة وانقطعت عن رؤية الآخرين.
منذ ديسمبر 2023، لم تكن أي من المؤسستين على علم بمكان الطفلة أو حالتها، وهو ما عُدّ دليلاً صارخاً على الإهمال المؤسسي.
حالتها الصحية الحالية
بحسب مقابلات صحفية مع والدة الطفلة، فإنها ما زالت على قيد الحياة لكنها تعاني من إعاقات دائمة بسبب الأضرار التي لحقت بدماغها وجسدها.
قالت والدتها في حديث لقناة شبكة آر تي إل نيوز (RTL) الهولندية:
“ابنتي لا تستطيع الأكل أو الاستحمام أو المشي بمفردها. تتحدث بصعوبة، لكنها تغني أحياناً أغاني الأطفال. إنها لم تعد كما كانت.”
وتعيش الطفلة حالياً في بيت رعاية طبية خاصة حيث تتلقى إشرافاً وعناية على مدار الساعة.
المؤسسات تحت الرقابة المشددة
أعلنت الهيئتان الحكوميتان (IGJ وJenV) عن فرض رقابة خاصة على مؤسستي (WSS وEnver) بعد فقدان الثقة في أدائهما. وتشرف مؤسسة (WSS) حالياً على أكثر من 7000 طفل، بينما ترعى مؤسسة (Enver) نحو 1200 طفل حاضن، ما أثار مخاوف بشأن سلامة الأطفال الآخرين.
وستُجرى زيارات ميدانية ومقابلات لتحديد أي إخفاقات إضافية، مع إلزام المؤسستين بتنفيذ خطط تحسين عاجلة.
اعتراف بالمسؤولية وردود فعل غاضبة
اعترفت مؤسسة ويليام شريكر بمسؤوليتها عن التقصير، وقال مديرها بيم فان أوخلن:
“في منظمة نعمل فيها بكل إخلاص لحماية الأطفال، من المؤلم جداً أن تمر طفلة بهذا المصير المأساوي. سننفذ كل توصيات هيئة التفتيش دون استثناء.”
كما أوقفت مؤسسة إنفر الموظف المسؤول مباشرة عن العمل، ووضعت خطة جديدة لتحسين تبادل المعلومات والتعاون الداخلي.
أما منظمة رعاية الشباب الهولندية (Jeugdzorg Nederland) فقالت إن نتائج التقرير تمسّ قلب قطاع الرعاية بأكمله، مؤكدة أن “الأمان هو أول ما يجب أن تقدمه رعاية الأطفال”.
مأساة تهز المجتمع الهولندي
تُعتبر هذه القضية من أبرز حوادث الإهمال في تاريخ رعاية الأطفال في هولندا، إذ كشفت عن ثغرات كبيرة في نظام الإشراف والحماية.
ويرى خبراء الرعاية الاجتماعية أن هذه المأساة قد تكون نقطة تحول لإصلاح شامل في قطاع رعاية الأطفال، مؤكدين أن سلامة الطفل يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.







