أخبار هولنداالدراسة في هولندا

هولندا تتجه نحو استقلال تربوي: المدارس تكتب مناهجها بنفسها

في خطوة غير مسبوقة نحو استقلالية أكبر في قطاع التعليم، تستعد مجموعة من المدارس الهولندية لتطوير كتبها المدرسية بنفسها من خلال دار نشر تعاونية جديدة تحمل اسم “نيون” (Neon). تهدف هذه المبادرة إلى تمكين المدارس من التحكم في محتوى المواد التعليمية، وخفض التكاليف، وتعزيز الاستدامة في إنتاج الكتب.


مدارس هولندا .. مبادرة رائدة نحو تعليم أكثر استقلالية

تتوقع تعاونية “نيون” أن تنضم إليها بحلول نهاية شهر ديسمبر خمسون مجموعة مدرسية تضم معًا نحو نصف مليون طالب، أي ما يقارب خمس إجمالي طلاب التعليمين الابتدائي والثانوي في هولندا. ويشارك حالياً اثنتا عشرة مجموعة مدرسية بالفعل في المشروع، بما مجموعه أكثر من 70 ألف طالب، يساهم كل منهم بمبلغ 10 يورو سنويًا لتمويل تطوير الكتب.

مدير “نيون”، مارتن بلانكستاين، الذي عمل سابقاً في مجال التحول الرقمي بدار نشر (DPG Media)، يرى في هذا المشروع “اختراقاً حقيقياً” في عالم التعليم. ويؤكد أن الهدف الأساسي هو إعادة السيطرة على المواد التعليمية إلى أيدي المدارس والمعلمين، بعيداً عن هيمنة دور النشر الكبرى التي تسيطر حاليًا على نحو 75% من سوق الكتب المدرسية.


انتقادات للنظام التقليدي

في السنوات الأخيرة، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى الناشرين الكبار بسبب ارتفاع الأسعار وقلة المرونة في المناهج، إذ تُقدَّر كلفة الكتب المدرسية بنحو 340 يورو سنوياً لكل طالب، فضلاً عن هدر ملايين الكتيبات سنوياً.

بلانكستاين، الذي عمل قرابة عامين في دار النشر الكبرى نوردهوف (Noordhoff)، لاحظ من الداخل صعوبة إدخال التحسينات في الشركات العملاقة، مما دفعه إلى إطلاق مبادرة مستقلة بالشراكة مع المدارس نفسها.
ويقول:

“سمعت الشكاوى المتكررة من المعلمين والإدارات، فقررت أن أبدأ مع المدارس من الصفر بطريقة مختلفة تماماً.”


نظام رقمي مرن وتكلفة منخفضة

تسعى “نيون” إلى تطوير مناهج أساسية رقمية في مواد مثل اللغة الهولندية والرياضيات، يمكن للمعلمين تعديلها بسهولة لتناسب احتياجات طلابهم. كما تتيح المنصة إضافة محتوى خاص أو إعادة ترتيب الفصول بحرية. وتُمنح المدارس الخيار بين استخدام النسخة الرقمية أو طباعة الكتب بغلاف صلب مستدام.

يؤكد بلانكستاين أن التكاليف ستنخفض بشكل كبير لتصل إلى 20–30 يورو فقط سنوياً لكل طالب، مع الحفاظ على جودة المحتوى:

“لسنا شركة تهدف إلى الربح، بل نركز على تمكين التعليم نفسه.”

لكن منظمة ناشري الكتب المدرسية (MEVW) شككت في إمكانية تحقيق ذلك، إذ تقول رئيستها يوريين كاستلاين:

“سيكون أمراً رائعاً لو نجح، لكن من الصعب تخيل إنتاج مواد تعليمية عالية الجودة والحفاظ على تحديثها الدائم بهذا المبلغ المنخفض.”


ترحيب واسع من المدارس والمعلمين

أبدت العديد من إدارات المدارس والمعلمين حماساً كبيراً للمبادرة. تقول أنيت كيل من اتحاد مدارس غويس (GSF):

“هذه خطوة نحو تعليم أكثر استدامة وأقل تكلفة، والأهم أنها تعيد للمعلمين حريتهم المهنية.”

وتضيف فِيرا ستاينمان، معلمة اللغة الألمانية في مدرسة “غويس ليسيوم”:

“غالباً ما لا تتوافق المناهج الحالية مع احتياجات طلابنا. في النظام الجديد يمكنني تعديل المحتوى وإضافة موادي الخاصة بسهولة. هذا يمنحني حرية حقيقية في التدريس.”

وترى كيل أن هذا التوجه يعزز من مكانة المعلم داخل المنظومة التعليمية:

“نحن نقوم بهذا من منطلق المسؤولية تجاه موظفينا. لقد كنت أتمنى أن يكون مثل هذا النظام موجودًا عندما كنت أدرّس اللغة الهولندية.”


دعم رسمي وتفاؤل بالمستقبل

من جانبها، وصفت منظمة التعليم الابتدائي (PO-Raad) ومنظمة التعليم الثانوي (VO-Raad) المشروع بأنه “مبادرة واعدة” تعيد زمام المبادرة إلى المدارس وتساعد على خفض التكاليف.

أما نائب وزير التعليم، كوِن بيكنغ، فقد أعرب عن دعمه للمشروع قائلاً:

“إذا أسهم هذا النموذج في توفير مزيد من الخيارات للمدارس وتحسين جودة التعليم مع تقليل التكاليف، فسيكون ذلك تطوراً إيجابياً للغاية.”


نحو جيل جديد من الكتب المدرسية

تتوقع “نيون” أن تكون الدفعة الأولى من الكتب جاهزة خلال عامين، مع خطة لتوسيع المشروع تدريجياً ليشمل جميع المواد الدراسية.

وبينما يترقب قطاع التعليم الهولندي النتائج، يبدو أن “نيون” قد تفتح الباب أمام ثورة حقيقية في صناعة الكتب المدرسية، قائمة على التعاون، والاستدامة، وتمكين المعلمين من صياغة التعليم وفق رؤيتهم الخاصة.

اترك تعليقاً

error: انتبه المحتوى محمي بموجب قانون النشر!!

أنت تستخدم أداة حظر الإعلانات

لقراءة المقالة، يرجى إيقاف أداة حظر الإعلانات